الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
219
الأخلاق في القرآن
رابع خطوة ذكرها العلماء والسالكون في هذا المجال ، هي : « المحاسبة » للنفس ، في كلّ يوم أو كلّ شهر أو كلّ سنة ، فَلْينظر الإنسان ما ذا قدّم من أعمالٍ حسنةٍ ، أو ارتكب من أعمالٍ قبيحةٍ ، ويُفكر في ما بَدَر منه ، من طاعةٍ أو عصيانٍ للَّه تعالى ، أو لهوى النّفس . فيحاسب نفسه حساباً عسيراً ، كالتّاجر الذي يحسب فوائده وعوائده من تجارته التي إتّجر بها ، وهل عادت عليه بالنّفع أم الضرر ؟ . فكذلك السّائر إلى اللَّه تعالى في خطّ الإيمان والتوبة ، عليه أن يُحاسب نفسه بأدقّ ممّا يفعله التاجر مع أمواله وتجارته . والُمحاسبة للدين أو للدنيا ، لا تخلو من فائدتين : إذا بيّنت الفاتورة ، الرّبح الوفير ، فَهو دليلٌ على صحّةِ العمل والدّوام عليه ، وإذا ما بيّنت العكس ، فهو الدّليل على الخطأ والخطر ، فربّما تلاعب أحد موظّفيه ، أو خانه بالإختلاس وما شابهها من الأمور ، فعليه الإسراع في التثبّت والتّفحص والإصلاح . وتخبرنا الآيات الكريمة ، عن وجود النّظم والحسابات الدقيقة في عالم الوجود ، وتدعو الإنسان للتّفكر فيها جيّداً ، ومنها : « وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ » « 1 » . ونقرأ في آيةٍ أخرى : « وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ » « 2 » . وكذلك : « وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ » « 3 » . ومن جهةٍ أخرى ، نجد أنّ القرآن الكريم ، قد أخبر في آياتٍ متعددةٍ ، عن وجود حسابٍ دقيقٍ في يوم القيامة ، كما ذكر على لسان لُقمان الحكيم لابنه : « يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ » « 4 » . وكذلك : « وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ » « 5 » .
--> ( 1 ) . سورة الرّحمن ، الآية 7 و 8 . ( 2 ) . سورة الرّعد ، الآية 8 . ( 3 ) . سورة الحِجْر ، الآية 21 . ( 4 ) . سورة لقمان ، الآية 16 . ( 5 ) . سورة البقرة ، الآية 282 .